عندما يكون الله بانتظارنا

عندما يكون الله بانتظارنا…

فكّر الأب هنري كافاريل، مؤسِّس حركة فِرَق السيّدة، مليًّا وبالأحرى صلّى كثيرًا على نيّة الصلاة القلبيّة. كان طوال حياته معلّمًا حقيقيًا في الصلاة. وفي عامي 1966 و1967، أصدر سلسلة من 11 دفترًا حول الصلاة القلبيّة تحت عنوان “سلسلة أوّليّة”. نقترح عليكم في ما يلي ملخّصًا عن تعاليمه الأساسيّة مقتبسة من السلسلة المذكورة آنفًا.

“عندما تبدأون صلاتكم القلبيّة، كونوا على قناعة راسخة بأنّ العائلة الثالوثيّة هي بانتظاركم“.

مكانكم جاهز، فالمسيح بنفسه قال: “سأعدّ لكم مكانًا”. الصلاة القلبيّة هي السماء بحدّ ذاتها، أقلّه هذه الحقيقة الأساسيّة: حضور الله، محبّته واستقباله لأبنائه. الربّ ينتظرنا على الدوام. وحتى أفضل من ذلك: ما أن نقوم ببضع خطوات نحوه حتى يأتي للقائنا، تمامًا مثل الابن الضالّ.

وهكذا، قبل البدء بصلاتكم، خذوا لحظات من الصمت وارسموا إشارة الصليب ببطء ولتكن مليئة بالمعنى. إنّ إبطاء الوتيرة والصمت هما ضروريّان لكسر نمط حياتكم المنشغلة. ثم، اطلبوا الروح القدس بتواضع، إذ هو المعلّم الحقيقي للصلاة.

يوصي الأب كافاريل في بداية الصلاة القلبيّة بقراءة صفحة من الإنجيل، إنما شرط ألاّ تُتلى كمن يقرأ كأستاذ لغة، بل بالأحرى كشخص مُغرَم يسمع نبضات قلب حبيبه عندما يصغي إلى الكلمة.

فلنفكّر بالله ولنتأمّل بما يقوله لنا من خلال الخليقة والكتاب المقدس وبالأخص ابنه يسوع المسيح، الذي أتى ليكشف لنا حبّ الآب اللامتناهي. تسمّى هذه الصلاة “الصلاة القلبيّة اللاهوتيّة”. ثمّ، بعد أخذ وقت للتأمّل، يأتي ما يسمّيه الأب كافاريل “الصلاة القلبيّة العمليّة” عندما تنتقل نظرة الإيمان إلى الحياة اليوميّة، وتدفعنا المحبّة إلى خدمة الله من خلال أعمالنا اليوميّة.

المواظبة على الممارسة والصلاة توصلنا إلى “البساطة في الصلاة القلبيّة“.

من هنا، إنّ تلاوة الصلاة القلبيّة ليست نشاطًا منفردًا، بل لقاء وتبادل وصلاة من القلب إلى القلب مع الله. إنه الجلوس عند قدميّ المسيح، تمامًا مثلما فعلت مريم المجدليّة، لتصغي إلى كلمته لا بل أفضل من ذلك، لتصغي إليه هو بنفسه. وعندما نسمع هذه الكلمة ونحفظها، نعمل بها”. “طوبى لمن يعمل بكلمة الله” (راجع يع 1: 25).

إن أردنا أن نتعلّم الصلاة فيجب علينا أن نبحث عن معرفة المسيح أوّلاً، ليس على المستوى الفكريّ فحسب، بل بإيمان ومحبّة. إنّ الكثير من المسيحيين تثبط عزيمتهم أمام الصلاة القلبيّة لأنهم لم يصلوا بعد إلى حبّ المسيح، وإن كانت محبّتهم ناقصة فذلك لأنّهم يتغافلون عن معرفته فإن لم نعرف الآخر فلن نحبّه. ويقول لنا الأب كافاريل، بإنّ أساس الصلاة هي الإرادة: الرغبة في الاستسلام إلى صلاة الروح القدس (رو 8: 26)، مثل الزيت الذي يستسلم للنار حتى تلتهمه.

يريد الله أن تكون الصلاة مزروعة ومتجذّرة في أعماقنا، في عمق كياننا، حتى نهتف مع القدّيس بولس: “فما أنا أحيا بعد ذلك، بل المسيح يحيا فيّ” (غل 2: 20).

أن نتلو الصلاة القلبيّة يعني أن نذهب بحجّ نحو الملاذ الداخلي لكي نصلّي فيه للإله الحقيقي. إن أردتم أن تتعمّقوا في الصلاة القلبية، فاسعوا لأن تدخلوا في الكثير من الأحيان إلى ذواتكم، حتى لو لفترة قصيرة، حتى تعبدوا الله الذي هو بانتظاركم. إنّ هذه العودة القصيرة إلى المنبع تجدّدنا وتهدّئنا.

وشيئًا فشيئًا، ستتنامى هذه القناعة فيكم: إن أردتم أن تعيشوا الصلاة القلبيّة فذلك لأنّ الله يدعوكم. وعندما تستجيبوا لهذه الدعوة، فستجدون عندئذٍ السلام والثقة والتواضع الحقيقي.

مقتطفات مأخوذة من كتابات الأب كافاريل