فيكَ نَستَريح

الأباتي سمعان أبو عبدو

فيكَ نَستَريح

قال القدِّيس أوغسطينوس: «لقد خلقتنا لك يا رب، وقلوبنا لا تهدأ حتى تستقر فيك». هذه العبارة تختصر سرَّ راحة الإنسان: فالقلب لا يجد سلامًا في النَّجاح، ولا في المال، ولا في العلاقات البشريّة وحدها، بل في الاتّحاد بالله الذي صار إنسانًا ليُقيم في قلوبنا.

إنَّ الرّاحة الحقيقيّة لا تأتي من الهروب من التَّعب أو من غياب التحدِّيات، بل من الثِّقة بمن يقود حياتنا. يسوع المسيح يقول: «تَعالَوا إليَّ يا جميعَ المُتعَبين والثِّقالِ الأحمال، وأنا أُريحكم» (متى 11/ 28). عندما نسلِّم له قلقنا واضطرابنا، يتحوَّل القلب المضطرب إلى قلبٍ واثق، يُدرك أنَّ الآب يعرف ما نحتاج إليه قبل أن نطلُبَه: «وأبوكم السماوي يَعلَم أنَّكم تحتاجون إلى هذا كلّه» (متى 6/ 32).

أوّلًا: مَكان الرّاحة

الرّاحة بالرب ليست مجرَّد شعور عاطفي أو لحظة هدوء نفسي، بل خبرة عميقة يعيشها المؤمن حين يضع حياته بين يدي الله. ويمكن تلخيصها في مواقف روحيّة وعمليّة:

1-     بالإيمان والثّقة:
الرّاحة تبدأ عندما أؤمن أنَّ الله يُحبُّني شخصيًّا، وأنَّه حاضر في تفاصيل حياتي. حينها لا أحمل وحدي أثقال أيامي، بل أضعها بين يديه. قال يسوع: «سلامي أترك لكم، سلامي أعطيكم، لا كما يُعطيه العالم أُعطيكم أنا» (يوحنا 14/ 27).

2-     بالكلمة:
كلمة الله في الكتاب المقدَّس تُعطي راحة داخليّة، لأنَّها تكشف لنا وجهه. «عودي يا نفسي إلى راحتك فإنَّ الرب قد أحسن إليك» (مز 116/ 7). الكلمة تُعيد ترتيب أفكاري وتُنعش قلبي.

3-     في الشَّركة مع الآخرين:
الرّاحة تُعاش أيضًا بين الزوجين وفي العائلة والجماعة الكنسيّة. حين نُصلّي معًا ونتقاسم الحياة، نَرتاح بالرب الساكن بيننا: «حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي، فهناك أكون في وسطهم» (متى 18/ 20).

ثانيًا: كيف نَستَريح كزَوجَين بالرب؟

الحياة الزوجيّة والعائليّة لا تخلو من التَّعب. فالبيت المسيحي يعرف الضغوط اليوميّة واختلاف الطِّباع وتحدِّيات التَّربية. لكنَّ الفرق أنَّ الزوجَين المؤمنَين لا يحملان الأعباء وحدهما: هناك ثالث حاضر في قلب علاقتهما، هو المسيح.

1-   الصلاة المشتركة:
الرّاحة بالرب تبدأ حين ينحني الزوجان معًا أمام الله. في الصلاة يكتشفان أنَّها ليست واجبًا بل نَفَس حبّ. هنري كافاريل، مؤسِّس «فِرَق السَّيّدة»، يقول: “لا يستطيع الزوجان المسيحيان أن يُحبّا بعضهما بصدق إن لم يُحبّا الله معًا”. تصبح الصلاة وقت استراحة في حُضن الله، حيث نلتقي بخالقنا ونضع بين يديه تعبنا اليومي وقلقنا.

2-   الثّقة والتَّسليم:
في سرّ الزَّواج قال الزوجان «نعم» لله أيضًا، لا لبعضهما فقط. وعندما يتذكّران أنَّ المسيح هو الضامن لعهد حبّهما، تُصبح الصُّعوبات فرصة للنموّ، والقلق مجالًا للتَّجديد: «وأَلقوا عليه جميع هُمومكم، فإنَّه يُعنى بكم» (1 بطرس 5/ 7).

3-   الغفران:
كلّ بيت يعرف لحظات جرح وسوء فهم. فإن لم يتعلّم الزوجان الغفران، يتحوّل البيت إلى ساحة نزاع. لكن حين يفتحان قلبيهما لغفران المسيح، يرتاح القلبان معًا: « فكما صفح عنكم الرب، اصفحوا أنتم أيضًا» (كولوسي 3/ 13).

4-   الإفخارستيّا:
من مائدة الإفخارستيا يتغذّى الزوجان، جسد المسيح ودمه، فيتذكّران أنَّ الحب ليس فقط مشاعر، بل بذل وحياة. الإفخارستيا تُحوّل البيت إلى امتداد للمذبح. وسرّ الاعتراف يُحرّر من ثقل الخطيئة ويُجدّد القلب.

5-   التعابير اليوميّة:
الرّاحة بالرب تُعاش أيضًا في كلمة تشجيع، في لمسة حنان، في خدمة صامتة. يقول كافاريل: “المسيح يحضر في تلك الإيماءات الصغيرة التي يُظهر فيها الزوجان محبّتهما لبعضهما”.

ثالثًا: الرّاحة وزمن المجيء والميلاد

زمن المجيء هو زمن الانتظار والرّجاء، حيث الميلاد يُصبح حضورًا دائمًا: الله يدخل عالمنا كما دخل مغارة بيت لحم.
الراحة تبدأ حين نسمح للمسيح أن يولد من جديد في قلب العائلة. الميلاد هو راحة القلوب: الله صار بيننا، “عمانوئيل”.

وكما أنشدت الملائكة: «المجد لله في العُلى وعلى الأرض السلام» (لوقا 2/ 14)، كذلك يُصبح سلام الله هو العطيّة الكبرى التي نتقاسمها كزوجين وكعائلة. وحين نفتح أبواب بيتنا للمسيح، يغدو بيتنا مغارة صغيرة يسطع منها نور الإنجيل.

خاتمة

يا ربّ، فيك نستريح: كأفراد، كزوجَين، وكعائلة. فيك يتحوَّل تَعبُنا إلى رجاء، واضطرابُنا إلى سلام، وخوفُنا إلى ثقة. الميلاد ليس حدثًا ماضيًا، بل ولادة متجدّدة لك في قلوبنا، لتبقى بيوتنا شاهدة أنَّ الراحة الحقيقيّة لا نجدها إلا فيك. علِّمنا أن نُحبّ كما تُحب، وأن نَشهد لنورك في هذا العالم. آمين.

إعداد الأباتي سمعان أبو عبدو  ر.م.م.
المستشار الروحي لفرق السيدة، منطقة لبنان