هنري كافاريل نبيّ في زمانه

هنري كافاريل نبيّ في زمانه

أعطى الأب بول دومينيك ماركوفيتش البندكتيّ، المندوب لمتابعة دعوى تطويب الأب هنري كافاريل، حديثًا في الندوة الدوليّة المنعقدة يوميّ 8-9 كانون الأوّل 2017. كان الحديث يحمل عنوان: هنري كافاريل، نبيّ في زماننا.

أتبنّى في مداخلتي هذه العنوان نفسه مع بعض التعديل: بدل كلمة زماننا سوف أستعمل كلمة زمانه. وهذا يقودني إلى تحديد نقطتين أريد الحديث عنهما: نبيّ، وزماننا.

مَن هو النبيّ؟

ربّما قيل لكم مئات المرّات: لا تخلطوا بين العرّاف والنبيّ. العرّاف يروي لك ما سيحدث في المستقبل بغضّ النظر عن الماضي والحاضر. النبيّ شيء آخر. إنّه يتجلّى بصورٍ عدّة سأختار بعضها فهي تنطبق على الأب كافاريل.

1. في الكتاب المقدّس، النبيّ هو الشخص الذي يدخل في قلب الأزمة. النبي يرى الواقع كأزمة: فالله وشعبه لم يعودا في تواصل، والشعب الذي دعاه الله لم يعد يصغي إلى كلمته. لذلك يُستدعى النبيّ إلى قلب هذه الأزمة.

لقد رأى الأب كافاريل في زمانه الأزمة قادمة. انتشار للأفكار الإلحاديّة، وابتعاد تدريجيّ عن الله، ما من شأنه أن يؤثّر في خليّة المجتمع الأساس، أي العائلة. من هنا بدأ تفكيره وجهوده في السعي لإبقاء العائلة على تواصل مع الله، رغم انشغالات الحياة اليوميّة المتسارعة.

2. النبيّ يجرؤ على أن يقول: «هاأنذا»، ويقف في الثغرة ليتكلّم – يتكلّم من أجل الله، وباسم الشعب، وإلى الشعب أيضًا. هذا هو معنى كلمة نبيّ: «برو-فيتِس» باليونانية (برو = أمام أو بدلاً من، فيتِس = يتكلّم). النبيّ يعطي صوتًا لله وللشعب معًا، يجسّد الغائب عن العلاقة. وهكذا تصبح حياة النبيّ ساحة صراع بين السماء والأرض، يجمع فيهما بين الطرفين.

من هنا أتت مساعي الأب كافاريل لمخاطبة الأزواج ودعوتهم للحفاظ على العلاقة بالله، أو لبنائها إن لم تكن موجودة. إنّها ليست دعوة فرديّة، بل جماعيّة. فكما أنّ النبيّ لا يخاطب أفرادًا بل شعبًا، كذلك خاطب الأب كافاريل الزوجَين لا كلّ واحدٍ بمفرده.

3. النبيّ مزوّد بما يُسمى «الخيال النبويّ». أي إنّه قادر على تخيّل بديل للواقع القائم، وأن يرى العالم بطريقة مختلفة. يرى أنّ الواقع الماثل أمامه محطّم ونازف، بينما تقدّمه السلطات القائمة باعتباره طبيعيًّا وحتميًّا، وأنّه دائم منذ الأزل وسيبقى كذلك. لكنّ النبيّ يعلن أنّ هذا الواقع أزمة، ويجرؤ على أن يتخيّل واقعًا آخر قائمًا على العلاقة لا على الانقسام.

بهذه الطريقة تخيّل الأب كافاريل واجب المجالسة. وسيلة لإصلاح ما قد تحطّم، ومعالجة جرحٍ حدث، وبناء شيءٍ معًا يصمد في أيّام الشدّة.

لم يشأ الأب كافاريل أن يكون نبيّ عصره، بل أراد من العائلات أن تمارس دورها النبويّ عبر أربع

خطوات تجدونها في موضوع الفرق المشتركة المقترح عليكم في هذه السنة.

إنّ رغبة الأب كافاريل أن تكون العائلات المسيحيّة عامّةً، وفِرَق السيّدة خاصّة، جماعات نبويّة ينقلنا إلى الكلمة الثانية: زمانه وزماننا.

زمانه-زماننا

الزمن تغيّر مرّاتٍ عدّة منذ أن وضع الأب كافاريل نظرته النبويّة، وتأسّست فِرَق السيّدة، إلى الآن. هذا التغيير يطرح علينا تحدّيات أهمّها: هل نحافظ على ما سبق بكلّ تفاصيله أم أن ندرج فيه تعديلاتٍ يظهر فيها الجوهر بأسمى تعابيره؟

لا يخفى عليكم أنّ التيّارين موجودان في عائلات فِرَق السيّدة، وهما في حالة توتّرٍ صحّيّ. التوتّر ليس قيمة سلبيّة دائمًا. فهناك توتّر صحّيّ يجبر المحافظون على التنازل، ويكبح جماح دعاة التغيير. كلّ رفضٍ لهذا التوتّر لا يقود إلى الحياة بل إلى الجمود أو إلى الضياع. رفض التوتّر يؤدّي إلى فقدان الهويّة، سواء بتجميدها مع قشورها السميكة، أو ببعثرتها وتفكيكها.

أنبياء في زماننا، هذه هي دعو فِرَق السيّدة. إنّها ليست دعوة للعيش في الداخل ad intra، بل للانطلاق إلى الخارج ad extra. أنبياء لا ينكرون المأساة، ولا يدفنون رؤوسهم في الرمال، بل يواجهون الألم بجرأة. الرجاء الذي يقدّمونه ليس وهمًا ولا مخدّرًا، بل رؤية قائمة على العلاقة. النبي يقبل بأنّ الله يسمح أحيانًا للشرّ بأن يأخذ مداه، لكنّه يحتجّ ويصرخ مثل إبراهيم حين جادل الله في مصير سدوم، أو مثل حبقوق الذي تساءل: «إلى متى يا ربّ أصرخ وأنت لا تسمع؟» (حبقوق 1: 2). وحتّى يسوع على الصليب صرخ: «إلهي إلهي لماذا تركتني؟» (مرقس 15: 34).

النبيّ يميّز بين نوعين من الرجاء: رجاء متّجه نحو المستقبل، يلمح بارقة أمل على الأفق، ورجاء متجذّر في الذاكرة، أي استحضار تدخّلات الله الماضية. عندما يبدو الأفق مسدودًا، يبقى التذكّر هو منبع الرجاء: فالإله الذي لم يسمح للموت أن تكون له الكلمة الأخيرة في الماضي، لن يسمح بذلك الآن.

الأب سامي حلاّق اليسوعي
المستشار الروحي لفريق 
«أصدقاء الأب كافاريل»– لبنان