من الحُبّ البشريّ إلى الشركة الإلهيّة
من الحُبّ البشريّ إلى الشركة الإلهيّة
في عالم يشهد تزعزعًا في البنى العائلية وتناميًا في النِسَب المُقلقة للطلاق والانفصال، يبدو الرجاء وكأنّه فضيلة نادرة، شبه منسيّة، لا سيّما في الحياة الزوجيّة. غير أنّ النظر إلى الزواج من منظور إيماني يكشف عن بعد جوهري مُغفَل: الرجاء ليس عنصرًا هامشيًا، بل هو في قلب سرّ الزواج. في هذا السياق، تبرز خبرة “فِرَق السيدة”، التي أسّسها الأب هنري كافاريل في فرنسا في أربعينيّات القرن الماضي، كعلامة رجاء حيّة ومُعاشة، تشهد على قدرة النعمة على مرافقة الأزواج في واقعهم المتقلّب، وعلى إحياء الحُبّ من رماده.
إنّ الرجاء في المنظور المسيحي ليس مجرّد تمنّي أو تفاؤل بشري، بل هو فضيلة لاهوتيّة متجذّرة في الإيمان ومحفوفة بالمحبّة. هو الثقة بأنّ الله أمين، يعمل في الخفاء كما في العلن، ويقود الإنسان إلى ملء الحياة، مهما كَبُرَ الألم وكَثُرَت الشكوك. في الزواج، يصبح الرجاء القوّة الخفيّة التي تدفع الزوجين إلى الاستمرار حين تَبْهُت المشاعر، وتُصاب الثقة بخدوش، وتبدو الحياة المشتركة عِبئًا بدل أن تكون نِعمة. إنّه الرجاء الذي يجعل من كلّ فشلٍ نقطة انطلاق، ومن كل جرحٍ بابًا للشفاء.
في قلب الكتاب المقدّس، يتجلّى الرجاء كحركة خروج من الذات نحو الله. تقول المزامير: “انتظرتُ الربّ انتظارًا، فأمال إليّ وسَمِع صُراخي” (مز ٤٠: ٢). ويشدّد بولس الرسول: “الرجاء لا يخيّب، لأنّ محبّة الله أُفيضت في قلوبنا بالروح القدس” (رو ٥: ٥). هذا الرجاء لا يُعطى كمكافأة على المثاليّة، بل كنعمة تُوهب للضعفاء، للمجروحين، للذين يصرخون من قلب الزواج: “يا ربّ، خلّصنا!”. إنه الرجاء الذي يجعل من حياة اثنين عاديّين أرضًا مقدّسة لحضور الله.
في ضوء هذا المعنى العميق، نشأت فِرَق السيدة كمساحة روحيّة للأزواج الذين يريدون أن يسيروا معًا نحو الله. لم تكن المبادرة مجرّد مشروع رعويّ، بل استجابة لنداء أزواج توّاقين إلى عمق، إلى معنى، إلى نعمة. وقد كتب الأب كافاريل: “الزواج ليس فقط مؤسّسة بشريّة، بل هو دعوة إلى القداسة، ومسيرة خلاص تُعاش معًا”.
ما يميّز هذه الخبرة أنّها ليست نظرّية، بل واقعيّة حتى الجذور. إحدى الزوجات المشاركات منذ عشرين سنة قالت: “في يومٍ ما، كنّا على وشك الطلاق. لم تعد هناك كلمات، فقط صمت قاتل. لكن خلال أحد اللقاءات مع الفريق، حين تقاسمنا الألم أمام الكلمة، شعرتُ أنّ الله لم ينسانا. هناك، وُلِد الرجاء من جديد”. ويؤكّد زوج آخر: “تعلّمت أن أحبّ زوجتي من جديد، ليس لأنّها مثاليّة، بل لأنّ الله يراها بنعمة، وأنا مدعوّ لرؤيتها بعينه”. هذه الشهادات تتكرّر في كلّ القارات، لأنّ فِرَق السيدة، التي انطلقت من باريس، باتت اليوم منتشرة في أكثر من ٩٠ بلدًا، وتضمّ عشرات الآلاف من الأزواج، من ثقافات وخلفيّات متنوّعة، توحّدهم رغبة واحدة: أن يكون الله في قلب زواجهم.
غير أنّ الرجاء لا يُعاش فقط داخل اللقاء الشهري، بل في قلب الحياة اليوميّة، حين ينهار الطفل مريضًا في الليل، أو حين يفقد أحد الزوجين عمله، أو حين تدخل العلاقة في رتابة موجعة… هناك، يكون الرجاء فعل إيمان يوميّ: أن نبدأ من جديد، أن نغفر، أن نستمرّ. كما يؤكّد البابا فرنسيس في فرح الحُبّ: “ليس هناك من عائلة مثاليّة، بل عائلات تعيش النعمة في قلب الفوضى” (الرقم ٥٧). إنه الرجاء الذي يرى في المحبّة، رغم كل شيء، مشروع حياة لا مشروع استهلاك.
وهذا الرجاء ليس فقط للزوجين، بل هو شهادة رسوليّة للكنيسة وللعالم. في ثقافة سائلة، حيث تُستبدل العلاقات بسهولة، يشكّل الرجاء الزوجي فعل مقاومة نبويّة. يقول القديس بولس: “المحبّة تحتمل كل شيء، وتصدّق كل شيء، وترجو كل شيء” (١ كور ١٣: ٧). الرجاء، حين يُعاش في قلب الأسرة، يتحوّل إلى رسالة صامتة تقول للعالم إنّ الحبّ ممكن، والأمانة ليست وهمًا، والله لا ينسى من يُحبّ.
من هذا المنطلق، فإنّ فِرَق السيدة لا تُقدّم فقط دعمًا روحيًّا، بل تُعيد صياغة الرجاء كموقف داخليّ متجدّد، كدعوة مستمرّة لاكتشاف حضور الله في قلب الواقع. لذلك، فإنّ الأزواج المشاركين غالبًا ما يصبحون هم أنفسهم شهودًا ودعاة لأزواج آخرين، في حركة متنامية من الرجاء المُعدي.
في النهاية، إنّ الرجاء ليس فضيلة “للأوقات الجميلة”، بل هو نور يُضيء في الظُلمة، ورفيق يُرافق حين يغيب اليقين. الزواج المسيحي، إن أُتيح له أن يُسقى بنعمة الرجاء، يمكنه أن يتحوّل إلى مكان لقاء مع الله، إلى مدرسة حُبّ، إلى بيت قداسة. هذا ما تعلّمه فِرَق السيدة، لا من الكتب، بل من الحياة. وهكذا يُصبح الرجاء طريقًا لا هدفًا فقط، وعطيًّة لا استحقاقًا، ودعوةً لا امتيازًا.
الأب الياس شماطه
